الدروز: هل يستأنف الابن مهمة الأب؟
Table of Contents:
- الدروز: هل يستأنف الابن مهمة الأب؟
- Page 2
تطويب وليد جنبلاط بطريركا سياسيا يلحق الضرر بدوره الوطني والقومي
الدروز لا يلعبون دورا فاعلا ومؤثرا في سياسات الدول التي يتواجدون فيها، بما في ذلك لبنان حيث الزعامة الجنبلاطية التاريخية. والسبب كونهم فئة صغيرة عدديا. فهي لا تعرف كيف تتكاثر بسرعة الارانب عند الاقليات والطوائف الاخرى التي انتفخت فجأة كالبالون.
واذا شئت ان استخدم تعبيرا درزيا شائعا، فأقول ان «قلة الهيبة» العددية هذه ناجمة عن تداخل رداءة الزمان برداءة المكان. فالظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة لا تشجع على الانجاب الباهظ التكاليف في طائفة فقيرة لا تؤمن بتعدد الزوجات، وتتوزع اصلا على اربع دول (لبنان وسورية والاردن واسرائيل) في مناطق صدامية وخطرة وذات طبيعة بركانية وجبلية لا تمنح بسخاء.
والدروز شديدو التعلق بالارض والبيئة. وهذا ما يفسر صمودهم في الجولان، فظلوا شوكة في شدق الزحف الاسرائيلي الخاطف الذي انسحبت امامه بقية السكان في كارثة 1967. وخصوصيتهم المذهبية منعتهم من تصدير انفسهم في سورية ولبنان الى المدن الكبرى التي تعتبر ديموغرافيا بوتقة الصهر الاجتماعي.
والدروز شديدو الكبرياء. لقد قاوموا الاستعمار، ولم يأخذوا نصيبهم من دولة الاستقلال، لانهم لا يشكون ولا يتظلمون لدى السلطة المركزية. وكان حافظ الاسد السلطة المركزية الوحيدة التي تنبهت الى معاناة الدروز. وقد عمل على ايصال الخدمات الاساسية من طرق وماء وكهرباء.. الى قرى الجبل الدرزي، وقدم الدعم والمساعدة الى دروز الجولان (20 ألفا) وسهل انتقالهم عبر خطوط فك الاشتباك، وفتح المدارس والجامعات امام ابنائهم. وهذا سر تعلق هؤلاء بالوطن، ورفضهم كل اغراء وصمودهم امام كل تهديد واجهتهم بهما اسرائيل. ولعل السبب الآخر لمحدودية دور الدروز الوطني والقومي بالاضافة الى العامل الديموغرافي، هو عدم وجود مرجعية دينية او سياسية واحدة لهم تتكلم باسمهم في الدول الاربع. ولست من الذين يؤيدون قيام دور سياسي للمرجعيات الدينية، لكيلا تؤكد على الهوية الطائفية والتناحر الطائفي في منطقة تعج بالاقليات الدينية والعرقية.
وقد نجحت المرجعيات السياسية الدرزية في تحييد مرجعياتها الدينية سياسيا. ويندرج هذا النجاح في اطار عبقرية الانتماء القومي عند الدروز الذي يتجاوز الانتماء المذهبي الضيق. لكن ذلك لم يحدث في اسرائيل، فقد شجعت الدولة العبرية منذ قيامها المرجعية الدينية الدرزية على احتكار الدور السياسي للطائفة، معتبرة الدروز هناك قومية ودينا. ومن المؤسف ان المرجعية الدينية الدرزية في اسرائيل لعبت دورا سياسيا خادما للغرض الصهيوني في تفريق عرب فلسطين الى طوائف وقوميات.
اما القيادات السياسية الدرزية في سورية والاردن فقد حرصت تاريخيا على الاندماج الوطني والقومي في عملها السياسي، وتوزعت ايديولوجيا على مختلف ألوان قوس القزح الحزبي، وبالذات على اللونين القوميين البعثي والناصري. لكن بعد غياب الزعيم الكبير سلطان الاطرش الذي كان صوته دائما وطنيا لا طائفيا، لم تبرز زعامات ذات اسماء مشهورة او ادوار قيادية.
الامر في لبنان يختلف تماما. فتاريخ هذا البلد في الألفية الميلادية الثانية، وبالذات خلال القرون العثمانية الاربعة، هو تاريخ الصراع السياسي بين الدروز والموارنة. لكن بعد «تكبير» فرنسا لحجم لبنان بفصل مدن الساحل ومناطق الجنوب والبقاع عن سوريا وضمها اليه، صَعَد دور الموارنة السياسي، وانكفأ دور الدروز سياسيا وعدديا لصالح الطائفة السنية اولا، ثم لصالح الطائفة الشيعية بعد الحرب الاهلية اللبنانية.
ولا شك ان الاسرة الجنبلاطية كانت تاريخيا وما زالت ابرز اسر لبنان الدرزية والسياسية. وفي لبنان الاستقلال لعب كمال جنبلاط دورا سياسيا فاعلا ومؤثرا بحكم مكانته وثقافته ومحاولته اعطاء دوره امتدادا وطنيا خارج حدود الطوائف.
مع ذلك استطيع ان اقول ان الدروز كانوا عموما في لبنان الانتداب والاستقلال خارج دائرة صنع القرار السياسي، على الرغم من الصوت القوي للزعامة الجنبلاطية. ودليلي على ذلك ان كمال جنبلاط فقد حياته عندما اتخذ قرارا بالمضي في الحرب الاهلية متحالفا مع الفلسطينيين وقوى اليسار.
ثم ها هو نجله وليد جنبلاط خارج دائرة القرار السياسي الذي تتحكم به الطوائف الثلاث المارونية والشيعية والسنية، على الرغم من ملئه الفراغ السياسي الكبير الذي تركه والده، وعلى الرغم من حضوره الكبير في اللعبة السياسية والطائفية، ومناوراته التكتيكية البارعة في الحرب والسلم.
الواقع ان زعامة وليد جنبلاط سجلت انكفاء ملحوظا نحو «الغيتو» الدرزي على حساب دوره السياسي كزعيم حزب يساري اشتراكي، حزب يدعو منذ ابيه المؤسس الى اندماج وطني، واشتراكية ديمقراطية، وايمان مطلق بالعروبة، وإلغاء الطائفية السياسية.
جنبلاط في هذا الانكفاء يفعل ما يفعله الآن الساسة التقليديون في تراجعهم نحو قواقعهم الطائفية مخالفين روح اتفاق الطائف الداعي الى لبنان جديد اقل تمسكا بالعصبية الطائفية. بل في خوف جنبلاط (الذي ينفيه علنا) من تكاثر الشيعة وخشيته من صعودهم الديموغرافي الى وطن الدروز في جبل الشوف كما فعلوا في سائر المدن والمناطق الاسلامية، فهو يبدو مع حلفه مع الموارنة والسماح لهم بالعودة الى قراهم في صميم المنطقة الدرزية التي هربوا منها خلال الحرب، اشبه ببطريرك سياسي يحاول اعادة التوازن الى اللعبة الطائفية التي ازدادت خللا باجتياح الشيعة الجهاز الاداري الحكومي على مستوى الوظائف المتوسطة والصغيرة.
وقد اجد عذرا لجنبلاط في هواجسه المتخوفة من الشيعة المتحالفين مع سورية. لكن وليد البطريرك السياسي للدروز والموارنة معا يختلف كليا عن كمال «البيك الدرزي» ذي الموقع السياسي «التقدمي والاشتراكي». وعلى الرغم من نجاحه الساحق في الانتخابات التشريعية الاخيرة فوليد يواجه متاعب داخل طائفته، ولا سيما منافسة الاسرة الارسلانية اليزبكية لزعامته المطلقة.
احسب ان استغراق وليد جنبلاط في اللعبة السياسية الطائفية مضيعة لوقته ومهمته الوطنية والقومية الحقيقية في استئناف دور ابيه الذي لم يكمله في حياته القصيرة.
بُعْد وليد جنبلاط عن دائرة القرار السياسي يمنحه الفرصة لاعادة بناء حزبه على قاعدة غير طائفية. ربما لم تتوفر لوليد ثقافة ابيه ورؤاه المثالية، لكنه يملك الحضور السياسي القوي والقدرة على اختراق الصالونات السياسية والاجتماعية. فهو يستطيع، اذا اراد، ان يفتح حزبه امام المثقفين اللبنانيين الشباب الذين لا يجدون اطارا مؤسسيا مشروعا يؤطر جهدهم، ويجسد املهم في اقامة لبنان جديد، لبنان ديمقراطي وعادل اجتماعيا، لبنان سياسي متجاوز لحساسياته الطائفية الضيقة.
الزعامة التاريخية الجنبلاطية لم تحاول يوما ان تلعب دورا سياسيا قوميا خارج لبنان، على الرغم من ايمانها العربي، كما فعلت الاسرة الارسلانية (شكيب وعادل ارسلان).
الشرق الأوسط




